فخر الدين الرازي
157
تفسير الرازي
من الذين هادوا حرمنا عليهم ) * ( النساء : 160 ) وقال تعالى : * ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) * وقد حرم على المسافرين من قوم طالوت الشرب من النهر ، وكان عذابهم معجلاً في الدنيا ، كما قال : * ( من قبل أن نطمس وجوهاً ) * وكانوا يمسخون قرد وخنازير ، قال القفال : ومن نظر في السفر الخامس من التوراة التي تدعيها هؤلاء اليهود وقف على ما أخذ عليهم من غلظ العهود والمواثيق ، ورأى الأعاجيب الكثيرة ، فالمؤمنون سألوا ربهم أن يصونهم عن أمثال هذه التغليظات ، وهو بفضله ورحمته قد أزال ذلك عنهم ، قال الله تعالى في صفة هذه الأمة * ( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) * ( الأعراف : 157 ) وقال عليه السلام : " رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق " وقال الله تعالى : * ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) * وقال عليه الصلاة والسلام : " بعثت بالحنيفية السهلة السمحة " والمؤمنون إنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير ، والتقصير موجب للعقوبة ، ولا طاقة لهم بعذاب الله تعالى ، فلا جرم طلبوا السهولة في التكاليف . والقول الثاني : لا تحمل علينا عهداً وميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة ، وهذا القول يرجع إلى الأول في الحقيقة لكن بإضمار شيء زائد على الملفوظ ، فيكون القول الأول أولى . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : دلّت الدلائل العقلية والسمعية على أنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ، فما السبب في أن شدد التكليف على اليهود حتى أدى ذلك إلى وقوعهم في المخالفات والتمرد ، قالت المعتزلة : من الجائز أن يكون الشيء مصلحة في حق إنسان ، مفسدة في حق غيره ، فاليهود كانت الفظاظة والغلظة غالبة على طباعهم ، فما كانوا ينصلحون إلا بالتكاليف الشاقة والشدة ، وهذه الأمة كانت الرقة وكرم الخلق غالباً على طباعهم ، فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ . أجاب الأصحاب بأن السؤال الذي ذكرناه في المقام الأول ننقله إلى المقام الثاني فنقول : ولماذا خص اليهود بغلظة الطبع ، وقسوة القلب ودناءة الهمة ، حتى احتاجوا إلى التشديدات العظيمة في التكاليف ولماذا خص هذه الأمة بلطافة الطبع وكرم الخلق وعلو الهمة حتى صار يكفيهم التكاليف السهلة في حصول مصالحهم . ومن تأمل وأنصف علم أن هذه التعليلات عليلة فجل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال ، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد * ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) * .